مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية




الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد..

صيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة كما هو معروف لكل مسلم وعبادة عظيمة فرضها الله على عباده المؤمنين في شهر رمضان الكريم، وهذا الصيام مع كونه عبادة جليلة وطاعة لله عز وجل فإنه يحقق مقاصد شرعية مهمة تنفع الفرد والمجتمع المسلمَين، ونستعرض في هذا المقال بعضًا من مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية، وهي:

شعور الأمة الواحدة:
من أعظم مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية أن تشعر بالانتماء إلى الأمة المسلمة الواحدة، فيأتي رمضان ليوحِّد مشاعرنا وشعائرنا، ويقضي على الحدود الاصطناعية التي غرسها أعداؤنا، ويعلمنا أهمية الالتزام بجماعة المسلمين.. فنحن نصوم في شهر واحد في وقت واحد ونفطر في ساعة واحدة، نتجه في صلاتنا لقبلة واحدة، ونقوم الليل في جماعة يكثر عددها وتنتشر في كل ربوع الأرض، ندعو بدعاء واحد، روح.. عاطفة.. مشاعر.. آمال.. كلها واحدة لإله واحد جل وعلا، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

تحقيق التقوى:
وهو مقصد عظيم من مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية؛ لأن الله جعله سببًا للتَّقْوى كما قال سبحانه وتعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183]. والتقوى يعرفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: ﻫﻲ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻠﻴﻞ، ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﺘﻨﺰﻳﻞ، ﻭﺍﻟﻘﻨﺎﻋﺔ ﺑﺎﻟﻘﻠﻴﻞ، ﻭﺍلاستعداد ﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ.

ضبط النفس:
من مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية، أن المسلم يتَمرَّنُ فيه على ضَبْطِ النفس، والسَّيْطرةُ عليها، والْقوَّةُ على الإِمساكِ بزِمَامِهَا حتى يتمكنَ من التحكم فيها ويقودَها إلى ما فيه خيرُها وسعادتها، فإنَّ النَّفس أمَّارةٌ بالسوءِ إلا ما رَحِمَ ربي، فإذا أطلقَ المرءُ لنَفْسِهِ عنَانها أوقعتْهُ في المهالك وإذا ملَكَ أمْرَها وسيْطر عليها تمكَّنَ من قيادتِها إلى أعلى المراتب وأسْنَى المَطَالب، فإنَّ الشَبعَ والرِّيَّ ومباشرةَ النساءِ يَحمِلُ كلٌ منها على الأشَرِ والْبَطرِ والعُلوِّ والتكبُّر على الخَلْقِ وعن الحقِّ. وذلك أنَّ النفسَ عند احتياجِها لهذه الأمورِ تشغلُ بتحصيلِها فإذا تَمكَّنتْ منها رأتْ أنَّها ظَفِرتْ بمطلوبها فيحصلُ لها من الفَرحِ المذمومِ والبطرِ ما يكونُ سبباً لِهلاكها، والمَعْصومُ مَنْ عَصَمَه الله تعالى[1].

لذلك ناسب أن تفطم هذه النفس عن الأخلاقيات السيئة في صيامها كما تفطم عن الطعام والشراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [2].

وفي رواية: «من لم يدع الخنا والكذب» [3]..

فك أسر الروح:
من مقاصد مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية أن الروح تنفك عن أسر الجسد فتحلق به في السماء وتجذبه إلى أصلها ومنبعها، وتذكره بمنصبه ومركزه، وغايته ومهمته وهي عبادة الله، وتفتح فيه الكوة إلى العالم الذي انتقل منه، وإلى سِعته وجماله، ولطافته وصفائه، وتُثير فيه الأشواق والطموح، وتبعث فيه الثورة على المادة الكثيفة الثقيلة (الجسد)، وتفك عنه السلاسل والأغلال من عادات ومألوفات، ولذات وحاجات، وتحبب إليه الجوع والعطش – مع وفرة الطعام وكثرة الشراب – فيشعر فيهما بلذة لا يشعر بها في أطايب الطعام والشراب، فيتخلَّى القلب للفِكْرِ والذِّكْرِ؛ لأنَّ تَناوُلَ الشهواتِ يستوجبُ الْغَفْلَةَ ورُبَّما يُقَسِّى القلبَ ويُعْمى عن الحقِّ، ولذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلأ ابنُ آدمَ وِعَاءٍ شرّاً من بطنٍ، بحَسْبِ ابن آدمَ لُقيْماتٌ يُقمن صُلْبَه، فإِن كان لا مَحالَةَ فَثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفسِهِ»[4].

وقال أبو سليمان الداراني: إن النفسَ إذا جاعت وعطِشَت صَفَا القلب وَرَقَّ وإذا شبِعت عميَ القلب.

لذلك من المعاني الجليلة أن الصيام جاء معادلًا لتحرير الرقبة في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، إذ جعل على من قتل مؤمنًا خطأ تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}[النساء : 92]. وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}[المجادلة : 4]. وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}[البقرة : 196].

وكأن المعنى أنه من عجز عن تحرير رقبة غيره من رق العبودية للبشر حرّر رقبته هو من رق الشهوات والملذات.

المواساة بين الغني والفقير:
من مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية أنَّ الغنيَّ يَعرفُ بالصيام قدْرَ نعمةِ الله عليه بالغِنَى حيثُ أنعمَ الله تعالى عليه بالطعامِ والشرابِ والنكاح وقد حُرِمَهَا كثيرٌ من الْخلْق فَيَحْمَد الله على هذه النِعمةِ ويشكُرُه على هذا التَّيسيرِ، ويذكرُ بذلك أخَاه الفقيرَ الذي ربَّما يبيتُ طاوياً جائِعاً فيجودُ عليه بالصَّدَقةِ يكْسُو بها عورتَه ويسُدُّ بها جَوعتَه. ولذلك كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ الناسِ وكان أجْودَ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريلُ فيُدارِسُه القرآنَ.

ومن المعاني الجليلة ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الإفطار على طعام مشترك بين الغني والفقير فعن أنس رضى الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رُطبات قبل أن يُصلى، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من الماء»[5].

سلامة الصدر بين المسلمين:
وهو من عظيم مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية، أن تصفوا قلوب المؤمنين وتعم سلامة الصدر بين المسلمين، فلا تشاحن ولا خصام ولا تراشق بالألفاظ، حتى إن حدث ذلك فإن الصائم مأمور ألا يواجهه بالمثل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»[6]. يقول ذلك تذكيراً لنفْسِه بأنه متلبسٌ بالصيام فيمتنعُ عن المُقابَلةِ بالسبِّ والشتم، فهو في جُنَّة ووقاية عن ذلك، فلا ترد على من سبَّك أو شتمك أو اعتدى عليك بل تقول: «إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»، أي: لا أستطيع أن أجيبك لأني صائم، فأنا قادر على الرد، لكني متلبس بعبادة، لن أغضب أو أثور أو استفز.. فأنا صائم.

ولهذا المقصد العظيم أراد الله وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم أن ندخل رمضان ونحن سالمو الصدور لإخواننا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن»[7]، وسُئِل ابن مسعود: كيف كنتم تسقبلون شهر رمضان؟ قال: (ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل الهلال وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم).

الإحسان في العبادة:
وهو مقصد جليل مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية، فوأنت صائم تحرص على ألا تخدش صيامك بكلمة نابية أو نظرة جارحة، وأنت صائم تأخذ حذرك من أن يصل جوفك قطرة ماء خلال وضوئك، وأنتِ صائمة في مطبخك تخافين أن ينال جوفك بعض الطعام الذي تتذوقينه فتلفظينه في الحال.

هذا الحرص على صيانة جودة صيامك هو المقصود بالإحسان، وقد قال النبي عن الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[8].

ألا يُلقي هذا في روعك أن الصيام دورة مكثفة في الإحسان والإتقان مدتها ثلاثين يومًا لتسيح بعدها في أرض الله الواسعة محسنًا مُحكِمًا مُتقِنًا مُجَوِّدا حَاذقًا.

فالطبيب عليه أن يحسن الكشف، ويجود التشخيص، ويحكم الدواء، والمهندس عليه أن يتقن المقايسات الهندسية، حتى الحرفيين والعُمَّال لابد أن يتقنوا أعمالهم، كذا الطلاب في مذاكرتهم لابد أن يتقنوها.. وهكذا في كل شيء حتى في القتل والذبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»[9].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»[10].

ولا تعجب أني أنطلق من إتقان العبادة إلى إتقان العمل، فقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم التشبيه نفسه وقاس القياس نفسه فيما روي عنه أنه قال: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ... وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ» قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: «لَا وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ»[11]..

التمايز بين الأمم:
فإن كان الله قال عن فرض الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183]، فهو وإن كان مفروضًا على الأمم من قبلنا، فإن الله جعله لنا على وجه متمايز عنهم وهو من أهم مقاصد الصيام في الشريعة الإسلامية.

وعلم من حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقواله حرصه الشديد في مخالفة أهل الكتاب، حتى قال اليهود: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه) [12]..

وأراد النبي بوحي الله أن يكون المسلمون في صيامهم منفردون، متميزون بين الأمم في علو وظهور، فقال: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ»[13].

وقال أيضًا: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»[14].

قال ابن تيمية: «وفيه دليل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود للشارع».

وقال القسطلاني: «تعجيل الفطر وتأخير السحور من خصائص هذه الأمة»[15].

هذا وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يبلغنا رمضان أعوامًا مديدة.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه/ أحمد المنزلاوي
اقرأ أيضا:
تصنيفات : فقه
author-icon
Mahmoud tech