حُلم رجل مُضحك، رؤية جديدة!

حُلم رجل مُضحك، رؤية جديدة!

أنا رجلٌ مُضحك، الآن وبعد مرورِ كُل هذا الوقت أستطيعُ الاعتراف بهذا، لقد ضحكوا عليَّ مُنذُ صغري، رُبما كُنتُ مُضحِكًا مُنذُ وِلادتي.. ضحك الجميع عليَّ في كُلِّ مكان، وما عَرِفَ هؤلاء أبدًا إن كان ثمة من يدرك أكثر من الجميع على الأرض كم أنا مُضحك فهذا الشخص هو أنا بالذات!

في تشرين الماضي، وبالتحديد في الثالث منه، تمامًا في الحادية عشر

تاريخ لا يُنسى.. عرفتُ فيه الحقيقة، كُنتُ أسير عائدًا إلى المنزل، لاحظتُ أنَّ هُطول المطر قد توقف.. بعد أن غسل المدينة بأكملها، وأضفى إليها طابعًا بائسًا وحزينًا، بالنسبةِ لي على الأقل، فهكذا كُنتُ أراها في ذلك الوقت، حين شعرتُ بروحي مُنهكة إلى الحدِّ الذي أردتُ فيه أن أتخلص منها!

رفعتُ رأسي للسماءِ الحالكة.. ومن بينِ كُلِّ تِلكَ الغيوم المُتجمعة، لاحظتُ بصعوبة شيئًا يلمع، أغلقتُ عينيّٓ بقوةٍ، مُحاوِلًا إبعاد الغبش عنهما، وحين فتحتهما.. رأيتهُ بوضوحٍ.. رأيتهُ يقيننا خالصًا، نجمٌ يلوحُ في فراغِ السَّمَاءِ الكبير، نجمٌ لامع.. نظرتُ إليهِ مُطولًا..مدهوشًا، وقد أوحى إلي بفكرة.. لقد أوحى لي النَّجمُ بالانتحار!

لم أتوانى لحظة عن تنفيذِ هذه الفكرة، خلعتُ كُلَّ ما في عقلي من أفكار ومشاعر، ورميتها جانبًا.. بعيدًا، وتوجهتُ مُسرعًا إلى المنزل، لم يكن سيثنيني شيءٌ أبدًا!

مررتُ بجانبها صغيرة وواهنة، مُثيرة للشفقة، مُتدثرة بملابسها المُبتلة، أوقفتني وهي تشد كُمي، نظرتُ إليها نظرة تفحصية.. "أُمي.. أُمي الحبيبة!" تمتمتْ

سحبتُ يدي منها، وعزمي على مواصلة السير لم ينقص مِنْهُ شيئًا، لكنَّها عاودتِ اللحاق بي.. " سيدي.. أيها السيد!"ولإبعادها نهرتها بقسوة "اذهبي.. هيا!"

صعدتُ إلى غُرفتي في الطابق الخامس، كُنتُ قد اشتريتُ مُسدسًا باهضًا -على الرغم من الفقر المدقع الذي أعيشُ فيه- لأنهي به حياتي من المرة الأولى!

واقفًا.. صوبتهُ إلى رأسي، تحديدًا إلى عقلي الذي أنهكني طيلة حياتي.. إلى نفسي.. أردتُ قتل كُل شيء فيَّ!

مرت دقائق ولم أمت.. كان علي أن أضغط على الزناد، لكن يدي كانت ترتجف بشدة، وليس يدي فحسب بل إنَّما قلبي.. آه قلبي.. آهٍ منه.. كان يرتجف بشدة.. لم أستطع!

لابد أنَّ ذلك بسبب تلك الطفلة، يالك من أبله، هل ستثنيك طفلة؟ أنت الرجل الذي قاسى وعايش كُل هذا؟

يائسًا كُنتُ! وأشعرُ بالحزن.. أُشفقُ عليها، وأُحس بالخزيِّ والعارِ من نفسي..

ومن ثُمَّ.. لقد أطلقتُ الرصاصة، نعم لقد أطلقتها.. سحبتُ فوهة المُسدس من رأسي، ووجهتها إلى الحائط، آنذاك أطلقت، قبل أن أرميه على الأرض بحركة فجائية، وأخرج راكِضًا.. هاربًا، من ذاك البائس الذي كانَ يُحاوِلُ الموت في الداخل!

وأتمنى.. في قلبي المُرتجف أن أجد تلك الطفلة بسرعة، أن أُصلح الموقف، وأفهم الذي جرى، أن أسألها وأُحدثها، ورُبما إن لم يكن بها شيء، ووجدنا أُمها، أعودُ إلى شقتي وأُكمِلُ ما بدأت، نعم.. حتى ذلك الوقت كانت فكرة الانتحار تلمعُ في رأسي، دون أن ينطفئ من وهجها شيء..

لحسنِ حظي وجدتها، قريبًا من المكانِ الذي تركتها فيه، لم تسر إلا لمسافة قصيرة فحسب.. اقتربتُ منها.. ناديتها.. هبطتُ على رُكبتيّ، جاثيًا أمامها، وقلبي لازال يرتجف، بشكل أكبر من ذي قبل، وغالبًا هذا بسبب الجري الذي جريته لأصلها!

أمسكتُ معصميها بيديَّ، شددتُ عليهما، راقبتُ شعرها الطويل المُبلل، وثوبها الأبيض القصير في هذا الجو البارد، شعرتُ بيديها، لا ذرةَ دِفءٍ فيهما.. " أُمي" قالت "أينها؟"

سحبتني من يدي، مشيتُ وراءها، ولكن بدا لي أنَّها لا تُريدُ المشي، كانت تُريدُ أن تركض رُبما، أن تُسرع بأيِّ طريقة، على الرغم من ساقها الملتوية، لم تخبرني لكنّي فهمت.. فهمتُ وحملتُها جريًا إلى الطريقِ الذي أرشدتني إليه

كُنتُ مُسغربًا بعض الشيء من ذاكرتها القوية، التي حفظت بها الأزقة، والعلامات التي تدل على مكانِ أُمها وصلنا إلى زِقاق ضيق جدًا، بين بنايتين قديمتين شاهقتي الارتفاع، مما زاد من عتمته، خاب ظنِّي من ذاكِرتها، لم تكن أُمها هُناك.. أخبرتُها بأنَّها أخطأت، على الرغم من نفيها الشديد سابقًا أنَّها لم تخطئ، وأنَّ أُمها لابُد هُنَا..

"رُبما غادرت" فكرتُ.. وحامت هيَّ في ذلك الضِيقِ تتفحصُ المكان، لوهلة ظننتُ أنَّها مُخطئة بالفعل، وتراجعتُ.. لكنني رأيتُ شيئًا ما، أعجزني حتى عن التقدم والتأكد منه، لم ترهُ هيَّ على الأغلب إلا عندما اقتربتُ منه.. أحمرٌ ولزِج.. "دماء!" كُلَّمَا تقدمت، وجدتُ الكثيرَ منها.. سائلة ورطبة.. دافئة.. لازالت حديثة!

هذه الآثار التي أشعرتني بالخوف، كان علينا أن نعود، سحبتها من ذراعها بعيدًا، لكنها أبت إلا أن تجد والدتها.. نهرتُها، صرختُ بها لتأتِ، لكن لم تقبل، وحين خرَّت مُنهارة ببكاءٍ لم أرَ مثلهُ من قبل، حاولتُ معها باللين لنذهب من هُنَا ونُحضر الشرطة، لم تُجِب، كُنتُ مُشفقًا عليها لفرطِ البُكاءِ الذي بكته، حاولتُ أن أفهم منها ما الذي من الممكن أن يكون قد حدث لأمها، لكن يبدو لي أنَّها أجهلُ مني في هذا الأمر..

"علَّها سقطت فنزفت هذه الدماء، رُبما كانت هلِعة من ذهاب ابنتها المفاجئ.. أكانت ثملة رُبما؟"..

قاطعت الفتاة أفكاري بتمتمات مُتفرقة، ولأولِ مرة توقف قلبي عن الارتجاف، تملكني جمود مُفاجئ.. رغبة في الشرود.. شرود طويل وعميق، وبهدوء سألتها أن تُعيد ما قالت، كانت ترتجف، نهرتها حتى تُجيب، "ماذا فعلوا لها؟" أعادتِ السؤال.. " حبيبتي، من هُم؟"

" مجموعةُ الرجال!" إذن فقد كان ما سمعته في البداية صحيح!

مما فهمته منها أنَّها كانت قد اتفقت معهم على مبلغ من المال، ووافتهم هُنَا لتسترد حقها، فهما فقيرتان بلا أدني تفكير

كان عليَّ التصرف لكن تلك الطفلة كانت العائق الوحيد، لم أكن سأتركها في ذلك الزقاق المُوحِش

حملتها وجريت.. جريتُ لاهِثًا.. خائفًا.. باحِثًا ومُترصدًا لأي حركة حولي، وأي شيء من المُمكن أن يكون لَهُ علاقة بأمها

الأزقة ضيقة، ولأول مرة أدخل مكانًا كهذا، مكانًا رُبما فقط لباعة المُخدرات،، الدعارة والسكارى! فمن الذي رأيتهُ كان أشبه بمأوى مُشردين!

اقتربتُ من عجوزٍ كانَ في رُكنٍ قريب، سألته، احترتُ في البداية فيما قد أسألُه.. "هل رأيتَ امرأة ما؟ امرأة هاربة؟ دامية؟ ألاحظت مجموعة من الرجال هُنَا؟"

لكن الرجل ظلَّ صامتًا، يُحدقُ في الفراغ، بدا لي أنَّهُ مُنذُ زمنٍ طويلٍ هُنَا، مُشَرَّد على الأغلب

نظرتُ إلى المكان الذي ظلَّ يُحملق فيه، حاوية مُهملات بلدية، خضراء وكبيرة، ممتلئة بأكياس القمامة وتفيض، اقتربتُ منها فَزِعًا، ظلت الطفلة على بُعدٍ مني

إذا صدق حدسي، فإنَّهُ رُبما الرَّجلُ ذاك.. رُبما يُحملقُ في.. رُبما.. وقفتُ مشدوهًا لدقائق عدة، قبل أن أستوعب الأمر، بجانب الحاوية ، جُثة!

أزلتُ بعض الأكياس المُتجمعة عليها، جُثة امرأة! في أواخِر الثلاثينات تقريبًا، حديثةُ الموت..

لم أكُن أَعْلَمُ شكل أُمها، لكن لم يُساورني ولو للحظة شكٌ بأنَّها قد تكون جُثة لواحِدة مُختلفة! مُلقاة بإهمال بجانبِ الحاوية، على أكياسِ القُمامة، أمعنتُ النَّظرَ إليها، آثارُ ضربٍ على جسدها، ضُربت قُتلت بل واغتُصِبت!

الطفلة! تذكرتها بغتةً، لم تبرح المكان الذي أمرتها أن تبقى فيه بعد، هرعتُ إليها، حضنتها.. حملتها وابتعدتُ بها..

" يالهذا العالمِ البشع! يالهذا البلدِ العَفِن!" لم أكُن سأسمحُ لها برؤيةِ هذا

بعد وقت، كانتِ الشُرطة هُنَا، والطفلة أبقيتها في منزلي، اقتادوني معهم إلى المركز..

لم أكُن هُناك، لم أكُن معهم، كُلُّ جُزءٍ فيَّ كان عند الفتاة التي ذهبوا لجلبها من منزلي

" أغلبُ الظن، آنَّ الأُم كانت تعملُ في الدعارة، لتجمع المال لها ولابنتها، تشاجرت مع مجموعة رجال، لتقبض منهم المبلغ الذي اتفقوا عليه، ضربوها اغتصبوها، ثُمَّ قُتلت بضربة على رأسها، رُبما حاولت الفرار منهم، فسقطت وآذت رأسها، لا نعلمُ بعد" قال المُفتش

"مُستحيل!" قُلتُ له " مُستحيل! لن نُخبر الفتاة بأيٍّ من هذا، لا أحد سيفعَل"

"ستبقى معي" أخبرتُ الشرطة، وافقوا على ذلك، قطعتُ على نفسي وعدًا مُنذُ الآن أَنِّي سأعنى بها.. ودون أن أدري كُنتُ قد عدلتُ عن فكرة الانتحار... وحينَ قَدِمَتْ هيَ، إلى المركزِ بصحبةِ الشرطي

هرعتُ إليها، وجثوتُ على رُكبتي كما أول مرة، حين رأيتها بعد تركي للشقة، احتضنتها، ومن بين أنفاسي اللاهثة والمُتسارعة، سمعتها تقول " لا بأس، لا تخف.. ولا ترتجِف!"



تصنيفات : اخبار حصريا
author-icon
Mahmoud tech

    تعليقات

    إرسال تعليق

    عبدو تكنولوجي - Abdou Technologie
    [description=هذا النص يمكن أن يتم تركيبه على أي تصميم دون مشكلة فلن يبدو وكأنه نص منسوخ، غير منظم، غير منسق، أو حتى غير مفهوم. لأنه مازال نصاً بديلاً ومؤقتاً.] (facebook=https://www.facebook.com) (youtube=https://www.youtube.com) (instagram=https://instagram.com) (twitter=https://www.twitter.com)